الشيخ الطبرسي
776
تفسير جوامع الجامع
عِرَاضٌ فَاخِرَةٌ ، وقيلَ : طَنَافِسُ لَهَا خَمَلٌ رَقِيقٌ ( 1 ) ، جَمْعُ زَرِيبَة ( مَبْثُوثَةٌ ) مَبْسُوطَةٌ ، أو : مفَرَّقةٌ في المَجَالسِ . ( أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إلَى الإِبِلِ ) نَظَرَ اعْتِبَار ( كَيْفَ خُلِقَتْ ) خَلْقاً عَجِيباً ، فَهي تَنْقَادُ لكلِّ مَنِ اقتَادَهَا بأَزِمَّتِها ، وتبْرُكُ حتَّى تَحْمِلَ أَحمَالَها ، ثمَّ تَنْهَضَ بها إلى البلادِ الشَّاسِعَةِ ، وليس ذلكَ في غَيْرِها من ذَوَاتِ الأَرْبَعِ ، وَصَبَرَتْ على احتمَالِ العَطَشِ حتَّى أنَّ أَظْمَاءهَا ( 2 ) تَرتَفعُ إلى الْعَشْرِ فَصَاعِداً ، إذْ جُعِلَتْ سَفائِنَ البَرِّ . ( كَيْفَ رُفِعَتْ ) رَفْعاً بعيدَ المَدَى بلاَ مسَّاك وبِغَيْرِ عَمَد . ( كَيْفَ نُصِبَتْ ) نَصْباً ثَابِتاً فَهِيَ راسِخَةٌ لا تَزُولُ . ( كَيْفَ سُطِحَتْ ) سَطْحاً فَهِيَ مِهَادٌ يُتَقَلَّبُ عليها . ورُوِيَ : أنَّ عليّاً ( عليه السلام ) قَرَأَ : " خَلَقْتُ " وَ " رفَعْتُ " و " نَصَبْتُ " و " سَطَحْتُ " على البناءِ للفَاعِلِ وتَاءِ الضَّميرِ ( 3 ) ، والتَّقْديرُ في الجَميعِ : فَعَلْتُهَا ، فَحُذِفَ المفْعُولُ . والمعنى : أَفَلا يَنْظُرُونَ إلى هذهِ المخلوقَاتِ الدالَّة على الصَّانعِ القادِرِ العَالِمِ حتَّى لا يُنْكِرُوا اقْتِدَارَهُ على البَعْثِ والإِعادَةِ ، ويؤْمنُوا برَسُولِهِ ، ويستَعِدُّوا للقَائِهِ ؟ ( فَذَكِّرْ ) يعني : أَنَّهُم لَمْ يَنْظُرُوا فَذَكِّرْهُم ولا يَهمّنَّكَ أنَّهم لا يَنْظُرونَ ولا يَذَّكَّرونَ ، وَ ( إِنَّما أَنْتَ مُذكِّرٌ ) كقَولِهِ : ( إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلَغُ ) ( 4 ) . ( لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِر ) أي : بمتَسَلِّط ، كقَولِهِ : ( وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّار ) ( 5 ) ( إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى ) استِثْنَاءٌ منْقَطِعٌ ، أي : لَسْتَ بِمُسْتَوْل عليهم ، ولكِن مَنْ تَوَلَّى مِنْهم فإنَّ للهِ الولاَيةَ والقَهْرَ ، فَهُو يُعَذِّبُهُ ( الْعَذَابَ الأْكْبَرَ ) الذي هو عَذَابُ جَهَنَّمَ ، وقيلَ : هو استِثْنَاءٌ
--> ( 1 ) قاله الفرّاء في معاني القرآن : ج 3 ص 258 . ( 2 ) الظِمْءُ : ما بين الوِرْدَيْنِ ، وهو حبس الإبل عن الماء إلى غاية الوِرْدِ ، والجمع : أَظْماءُ . ( الصحاح : مادة ظمأ ) . ( 3 ) حكاه عنه ( عليه السلام ) ابن خالويه في شواذ القرآن : ص 173 . ( 4 ) الشورى : 48 . ( 5 ) ق : 45 .